ابن عجيبة

10

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وجعل بعضهم الضمير في عَلَيْهِ ، عائدا على الأكل ، فليس فيها على هذا أمر بالتسمية على الصيد ، ومذهب مالك : أنه إن تركت التسمية عمدا لم تؤكل ، وإن تركت سهوا أكلت ، فهي عنده واجبة بالذكر ساقطة بالنسيان ، وهذا الخلاف جار في الذكاة كلها . وَاتَّقُوا اللَّهَ في اجتناب محرماته ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ، فيؤاخذكم على ما جلّ ودق . الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ فيتناول الذبائح وغيرها ، ويعم أهل الكتاب اليهود والنصارى ، واستثنى علىّ - كرم اللّه وجهه - نصارى بنى تغلب ، وقال : ( ليسوا على النصرانية ، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ) . ولا يلحق بهم المجوس في ذلك ، وإن ألحقوا بهم في الجزية ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ألا تنكحوا نساءهم ، ولا تأكلوا ذبائحهم » « 1 » وكذلك المرتد مطلقا لا تؤكل ذكاته . قال ابن جزى : وأما الطعام ، فهو على ثلاثة أقسام : أحدها : الذبائح ، وقد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية ، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى ، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم ، على ثلاثة أقوال : الجواز ، والمنع ، والكراهة ، وهو مبنى على : هل هو من طعامهم أم لا ؟ فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه ، جازت ، وإن أريد ما يحل لهم ، منع ، والكراهة توسط بين القولين . الثاني : ما لا محاولة لهم فيه ، كالقمح والفاكهة ، فهو جائز لنا اتفاقا . والثالث : ما فيه محاولة كالخبز وتعصير الزيت وعقد الجبن ، وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه ، فمنعه ابن عباس ؛ لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة ، وأجازه الجمهور ، لأنه رأوه داخلا في طعامهم ، وهذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملا ، أما إذا تحققنا استعمال النجاسة فيه ؛ كالخمر والخنزير والميتة ، فلا يجوز أصلا ، وقد صنف الطرطوشى في تحريم جبن النصارى ، وقال : إنه ينجس البائع والمشترى والآلة ؛ لأنهم يعقدونه على إنفحة الميتة . ه . وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ، فلا بأس أن تطعموهم من طعامكم ، وتبيعوه لهم ، وأما ما حرم عليهم ، فلا يجوز بيعه منهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يسألونك أيها العارف الرباني ماذا أحل للفقراء من الأعمال والأحوال ، قل لهم : أحل لكم الطيبات ، أي : الخالص من الأعمال ، والصافي من الأحوال ، والتلذذ بحلاوة المشاهدة والمكالمة ، وما اصطادت لكم أنفسكم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية ، بقدر تزكيتها وتربيتها ، فكلوا مما أمسكن عليكم ، أي : تمتعوا بما أتت به لكم من

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الموطأ ( الزكاة ، باب جزية أهل الكتاب والمجوس ) من حديث عبد الرحمن بن عوف ، بدون ذكر : ( غير ألا تنكحوا نساءهم ولا تأكلوا ذبائحهم ) وجاءت هذه العبارة بنحوها في حديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 6 / 69 ح 10028 ) والبيهقي في الكبرى ( 9 / 192 ) عن الحسن بن محمد بن علي قال : ( كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام ، فمن أسلم قبل ، ومن أصر ضربت عليهم الجزية ، على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ، ولا ينكح لهم امرأة ) .